الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

182

شرح ديوان ابن الفارض

الهوى ، ولا تدخلوا في هذه المضائق ، واتركوني أعالج مشاق النوى سالكا الحقائق . وما أحسن قول القائل : بهت العذول وقد رأى ألحاظها * تركية تدع الحليم سفيها فثنى الملام وقال دونك والهوى * هذي مضائق لست أدخل فيها وفي البيت المناسبة في ذكر الرشد والتنسك والتقى ، والطباق في تخلوا وخلوا ، والجناس الناقص المحرف في خلوا وتخلوا . ( ن ) : المعنى أنه قال لهذه الثلاثة هدايته في دين اللّه وعبادته للّه تعالى على الوجه الأكمل ، وتقواه في الشريعة المحمدية بطريق الكناية ، اتركوني ولا تشغلوا قلبي بالالتفات إليكم ، ورؤية محاسنكم عن الاشتغال بالتوجه التام القلبي إلى التحقق بتجليات ربي ، وأضاف الرشد إلى ياء المتكلم لثبوته عنده ودوام إقامته فيه ، وأتى بالتنسك والتقى معرفا بلام العهد لأن ذلك معهود منه ومعروف لديه وثابت في ظاهره وباطنه . وأشار بخطابه لهذه الثلاثة إلى أنها عنده لا تفارقه مع إعراضه عن الاشتغال بها ، وتوجه قلبه بالكلية إلى جناب ربه ، وهذه حالة الكاملين ، وطريق أهل اللّه الصادقين ، ولما كانت هذه الحالة خفية على العلماء من أهل الشريعة فضلا عن خفائها على عامة المؤمنين لا يعرفونها في المحققين من الأولياء العارفين ظنوا أن طريقهم ترك الشريعة ، والتهاون بأحكامها المنيعة ، فصغرت عندهم مشارب الحقيقة ، وقبحت في أعينهم محاسن أهل الطريقة . اه . وفرّغت قلبي عن وجودي مخلصا لعلّي في شغلي بها معها أخلو [ الاعراب والمعنى ] « وفرغت » أي أخليت قلبي عن وجودي . اعلم أنه تارة يروى عن وجودي بسكون الياء ، فيكون مخلصا : اسم فاعل من خلص يخلص تخليصا . وتارة يروى عن وجودي بفتح الياء ، فيكون مخلصا : اسم فاعل من أخلص يخلص إخلاصا . و « لعلي » لا بد فيها من فتح الياء . وفي هذا البيت مبالغة في الخلاص ، وإشارة إلى نهاية الإخلاص فإن القلب إذا تخلى عن الوجود وتباعد عن مقاربة كل موجود ، أخلص في حب مولاه وعلم أن مشاهدة محياه هي الحياة . فعلى رواية مخلص بالتشديد يصير المعنى مخلصا قلبي عن الوجود الذي هو بالنسبة إليّ إخلاص الشهود من الأغبار ، وعلى رواية التخفيف يكون المعنى مخلصا في ذلك التفريغ صادقا في رواية التبليغ . وجملة لعلّي إلى آخر البيت تعليل لتفريغ قلبه عن وجوده طالبا لمشاهدة الحبيب ويا فرحته في شهوده ، أي مرتجيا أن أخلو بالحبيبة حال كوني مشتغلا بها عني . وقد